عبد الله الأنصاري الهروي

140

منازل السائرين ( شرح القاساني )

--> نفس الرحمان من قبل اليمن » إشارة إلى هذا المقام بحسب الحالة الأولى ، و أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [ 27 / 40 ] إشارة إليه بحسب الحالة الثانية - فافهم . ومن هذا حاله يكون في الغربة مع الخلق كائن معهم بصورته ، بائن عنهم بمعناه وسريرته ، راحل عنهم إلى أوطانه ، قاطن فيهم في مقرّ حدثانه ، فيكون في مقام الغرق في لجّة بحر القرب في غيبة عن الإحساس بالروح والنفس واللبّ ، فيدخل باب التمكين بحيث لا يتأثّر من التلوين ، أعني تلوّن التجلّيات الظاهريّة الأسمائيّة بغلبة ظهور أحد الأسماء وأحكامه وآثاره على الآخر . اعلم أنّ التلوين والتمكين يظهر كلّ واحد منهما بأثره وحكمه من حيث ثلاث مراتب : الأولى مرتبة التجلّي الظاهري ، فإنّ التلوين فيها تعاقب ظهور آثار الأسماء على قلب السائر وسرّه متنوّعة الأحكام ومتلوّنة الآثار ، متميّزة الأوصاف فيحجب السائر كلّ واحد بأثر تميّزه وخصوصيّته عن حكم الآخر إلى أن يبدو بارق جمعيّة الاسم الظاهر ويقيم السيّار في نقطة حاقّ وسطه الذي نسبة جميع الأسماء إليه على السواء ، فتلك النقطة هي مقام التمكين الذي لا يحجب صاحبها من كلّ واحد ولا يحجبه أحد عن أحد . والرتبة الثانية مرتبة التجلي الباطني وحكمها فيها على ما قلنا في التجلّي الظاهري . والرتبة الثالثة مرتبة الجمع والبرزخيّة بينهما - أي بين الظاهر والباطن - فإنّ أحكام كلّ واحد منهما بموجب خصوصيّاتها وآثار تميّزاتها تستلزم الاحتجاب عن أحكام الآخر ، فإذا حصل السائر في البرزخ بينهما يتمكّن من الجمع بين أحكامهما ويفرّق بينهما ، فلا يحجبه شأن عن شأن ، وهذا هو مقام التمكين في التلوين ، ومقام التمكين الذي ذكرنا آنفا أردنا به التمكين في المرتبة الأولى . ثمّ إذا تحقّق هذا الوليّ بهذا المقام الموافق يبتدء له قسم الحقائق ، وذلك بانتهاء سيره الأوّل المحبي - بعد تحقّقه بجميع ما تحتوى عليه الاسم الظاهر من الأسماء الكليّة والجزئيّة - ثمّ يشرع في السير والسفر الثاني المحبوبي ، لرؤية كثرة التعيّنات النسبيّة المنسوبة إلى الشؤون الباطنة التي هي مرآة لوحدة الوجود العيني ، الغالب على الروح حكمها .